لا يولي الكثير اهتماما بالملح إذ كل ما تسمعه عنه هو ان عليك اكل القليل منه, ولكن هل هذه النصيحه هي الانسب دائما؟
في مارس 1940 ، وصفت ورقة كتبها Lawson Wilkins حالة طفل لديه رغبة غير اعتياديه لتناول الملح منذ عمر 11 شهرا
وحسب كلام والديه كان الطفل يتقيأ كل شيء عدا حليب والدته, وبناءا على نصيحة الطبيب حاول الوالدان اطعام الطفل البسكويت المملح وتقيئه الطفل ايضا ولاحقا بدأ بلعق الملح من على البسكويت ومن ثم يطلب المزيد منه.
بمجرد أن اكتشف الصبي ما كان في زجاجة المملحه، قالت الأم إنه كان يرفض تناول الطعام ما لم تكن المملحة على طاوله الطعام
وكان يأكل الملح منها بغمس اصبعهِ فيها ولعقه بفمه. كان الطفل يتناول ما يقدر بملعقة صغيرة اضافية من ملح الطعام يوميا بالأضافة لكون طعامه مملحا بالفعل اكثر من طعام والديه: بأخذ وزن الطفل بعين الاعتبار هذا المقدار لدى البالغيين تناول 20-30 غراما اضافيا من الملح يوميا, وللمقارنة توصي المبادئ التوجيهيه الغذانية الأمريكية بتناول ليحدوا من تناولهم للملح لما لا يزيد عن 5.75 غراما يوميا.
لاحقا كتشفوا ان هذا الاشتهاء الكبير للملح ليش مجرد نزوة, بل كان جسد الطفل يدفعه لتناول الملح ليحصل على حاجته: تم إدخاله إلى المستشفى في سن الثالثة ، وللأسف ، بعد 7 أيام فقط من اتباع نظام غذائي قليل الملح في المستشفى ، توفي فجأة.
تقول الفقرة الأخيرة من هذه الورقة: "صبي يبلغ من العمر 3 سنوات ونصف يعاني من نقص في الأنسجة القشرية الكظرية ، ويظهر أعراضًا مختلفة لقصور الغدة الكظرية ورغبة ملحوظة لتناول الملح. ويبدو أن هذا الصبي ، بزيادة مدخوله من الملح ، أبقى نفسه على قيد الحياة لمدة عامين ونصف على الأقل ".
كما توضح هذه الحالة ، لا يمكننا العيش بدون كمية كافية من الملح ، ولكن بالطبع يمكن للأشخاص الأصحاء العيش بأقل مما يحتاجه هذا الطفل. في عام 2005 ، حددت الإرشادات الغذائية الفيدرالية الأمريكية حدًا أقصى للصوديوم عند 2300 ملليغرام أو حوالي 5.75 جرام من الملح يوميًا - وهذا يعادل كمية الصوديوم الموجودة في قطعة مخلل واحده كبيرة ونصف.
أشارت التقديرات حينها إلى أن تقليل تناول الأميركيين من الملح بمقدار نصف ملعقة صغيرة في اليوم (حوالي 2.8 جرام) سيمنع 92000 نوبة قلبية ويوفر للبلاد 20 مليار دولار من تكاليف الرعايه الصحيه. منطقهم وراء هذا واضح نسبيًا: "الصوديوم بكميات كبيرة يسحب السوائل من أنسجة الجسم إلى الدم مما يزيد حجم الدم ويجعل القلب يضخ بشكل أقوى مما ينتج ضغط الدم العالي, ويؤدي ارتفاع ضغط الدم المزمن إلى إجهاد القلب والشرايين مما يؤدي إلى الإصابة بأمراض القلب. لذا فمن المفترض ان الملح الاقل يعني امراضاً اقل؛ الآن، ارتفاع ضغط الدم حاليًا في أعلى مستوياته على الإطلاق, يعاني منه 1 من كل 3 أمريكيين.
كان تناول الملح الغذائي أعلى بكثير مما هو عليه الآن، بدافع الضرورة في اغلب الاحيان. قبل العصر الصناعي، كان الملح أكثر المواد الحافظة الغذائية شيوعًا وفعالية. كما يشير مارك كورلانسكي في "الملح: تاريخ العالم (Salt: A World History)" ، نحن نعلم أن تناول الملح في أوروبا كان مرتفعًا جدًا على الأقل منذ القرن الخامس عشر الميلادي عندما كان 40 إلى 100 جرام ، وذلك بفضل أطعمة مثل الأسماك المملحة. هذا يعادل تناول كامل محتوى واحده او اثنتين من زجاجات ملح الطعام التي تراها على المائدة.
لو كانت هذه الكميات الكبيره من الملح تسبب نوبات القلب الناتجه عن ارتفاع الضغط؛ لا يبدو على الناس حينها انهم اهتموا بالموت المفاجئ بأعتبار ان اول حالة مسجله لامراض القلب والشرايين لم تحدث حتى منتصف ال السابع عشر-1600 بعد ذلك ، من أوائل القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية ، استهلكت المجتمعات الغربية ما بين 15 و 17 جرامًا من الملح يوميًا - بناءً على بيانات السجلات العسكرية.-Trends in 24-h urinary sodium excretion in the United States, 1957–2003: a systematic review
وعلى الرغم من استهلاك الملح المنخفض والثابت ، فإن انتشار ارتفاع ضغط الدم الآن أعلى بثلاث مرات مما كان عليه في النصف الأول من القرن العشرين. لذا، فإن تناول الملح "لا يزال" مرتفعًا وفقًا للإرشادات الصحية ، لكن هذا لا يفسر كيف يستمر ارتفاع ضغط الدم في حين يظل استهلاك الملح ثابتًا.
يأكل الكوريون الجنوبيون مجموعة متنوعة من الأطعمة المالحة وأسهل مثال على ذلك هو الكيمتشي الملفوف والخضروات الأخرى المحفوظة في الملح والتوابل. يتم تناول الكيمتشي في كل وجبة. يستهلك المواطن الكوري الجنوبي العادي حوالي 4000 ملليجرام من الصوديوم يوميًا ، أي ضعف ما توصي به الإرشادات الغذائية الأمريكية.
على الرغم من ذلك ، فإن كوريا الجنوبية لديها أدنى معدلات الإصابة بأمراض القلب التاجية في العالم ، وفقًا لبيانات عام 2014 من منظمة الصحة العالمية.
في الواقع ، تُظهر البيانات المأخوذة من ورقة بحثية في سبتمبر 2015 بتمويل من المعهد الكوري لأبحاث الغذاء أن المجموعات الربعية التي استهلكت صوديوم اكثر لديها أدنى معدلات ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب التاجية والسكتة الدماغية.
وقد أطلق على هذا اسم "المفارقة الكورية". وكما يشير الدكتور جيمس دي نيكولانتونيو(James DiNicolantonio): "يمكنك ان تستبدل كوريا بأي بلد من ثلاثة عشر بلدا أخر والحصول على المزيد من المفارقات فيما يتعلق بتناول كميات كبيرة من الملح."في كتابه الشامل للغاية "إصلاح الملح (The Salt Fix)" ، يؤكد الدكتور دينيكولانتونيو أن الحد من تناول الملح ليس فقط غير ضروري ولكنه قد يكون ضارًا بالصحة.
للملح العديد من الوظائف المهمة جدًا: يحتاجه القلب لضخ الدم بشكل صحيح ، وتحتاجه المعدة لتسهيل عملية الهضم ، كما أنه ضروري لتكوين العظام وتقويتها. إنه عنصر أساسي للتواصل بين الخلايا والنقل الأمثل للنبضات العصبية من وإلى أعضاء مثل القلب والدماغ.
كما هو موضح في "مرجع التخصصات الفرعية لطب الغدد الصماء لدليل واشنطن
(Washington Manual's Endocrinology Subspecialty Consult)":
على وجه الخصوص عند مستويات الصوديوم المنخفضة, "قد يصاب المرضى بعلامات وأعراض عصبية نفسية ، تتراوح من ضعف العضلات ، والصداع ، والخمول ، والرنح ، والذهان إلى الوذمة الدماغية ، وزيادة الضغط داخل الجمجمة (ICP or increased intracranial pressure) والنوبات (seizures) والغيبوبة. "
من جهة اخرى، بالطبع يمكن أن يكون لاستهلاك كميات كبيرة من الملح عواقب وخيمة. وفقًا لمقال نُشر عام 1913 ، "في مقاطعة تشيكيانغ ، وربما في مقاطعات أخرى من الصين ، كان شرب محلول مشبع بالملح طريقة شائعة للانتحار." كان الناس يشربون ما يقارب نصف لتر إلى ثلاث ارباع لتر من محلول الملح المشبع - عادة ما يشربون المحلول الملحي المستخدم في تخليل الملفوف. ولكن لتكون هذه الكمية قادرة على قتل شخص ما، يجب استهلاك كل هذا الملح بسرعة كبيرة من أجل التغلب على قدرة الفلترة القوية للكلى .هذا هو سبب تمكن الأوروبيين في القرن السادس عشر من أستهلاك الكثير من الملح - في حين أن 100 جرام من الملح هي كمية هائلة ، يمكن معالجتها ببساطة بواسطة الكلى إذا تم تناولها بوتيرة طبيعية.
لذا، إذا اضطر البشر إلى الحد من تناول الملح بشكل متعمد من أجل البقاء بصحة جيدة، فهذا يشير إلى أن الأنظمة التنظيمية مثل الكلى ليست قوية جدًا حقيقةً ولكن تاريخنا يشير إلى خلاف ذلك
لكي تتمكن اجسامنا من العمل بشكل صحيح، كان لابد من تطوير أنظمة يمكنها تنظيم تركيز الملح والمكونات لأخرى في دمنا والسوائل خارج الخلية، وبالطبع فإن الكلى مهمة جدًا في هذا الصدد، نظرًا لكون الخلايا لا يمكنها البقاء على قيد الحياة خارج النطاق الضيق من تراكيز الإلكتروليتات (الاملاح) في السائل المحيط، لذا فالقدرة على الاحتفاظ بالملح وفي نفس الوقت افراز الفائض منه تعد مهمة جدًا للثدييات التي تحصل على طعامها من البحر مثل أسود البحر وقنادس البحر والدب القطبي بكميات كبيرة من الملح ولكن محتوى الملح في دمائها لا يختلف كثيرًا عن الذي في الثدييات الأرضية. من وجهة نظرنا، على الأقل يجب أن تكون كلى هذه الحيوانات قادرة على إفراز كميات هائلة من الملح لكن الفسيولوجيا الأساسية للكلى هي نفسها عند البشر.
من خلال عملية التنظيم التناضحي (osmoregulation)، فإن مستويات الماء والصوديوم في الجسم تتوازن باستمرار مع بعضها البعض. إذا انخفضت مستويات الصوديوم في الدم لمستويات منخفضه للغاية، الماء الذي في الدم سوف يدخل إلى أنسجتنا للحفاظ على هذا التوازن.
عندما تكون هناك زيادة في نسبة الصوديوم في الدم، تقوم الكلى ببساطة بطرح الفائض في البول
كما هو موضح في كتاب "إصلاح الملح (The Salt Fix)" إذا ارتفعت مستويات الصوديوم في الدم والسوائل لدى الجسم ، فإننا نبدأ في إعادة امتصاص كمية أقل من الملح من الكلى وامتصاص كمية أقل من الملح من الأطعمة التي نتناولها، يمكن للكبد إرسال إشارة إلى الأمعاء لتقليل امتصاص الصوديوم. وإذا بدأ الصوديوم في التراكم، فإن أجسامنا سوف تبدأ بتحويل الصوديوم الزائد إلى الجلد أو الأعضاء دون ضرر.
في الواقع، وصفت ورقة بحثية كتبها فريدريش لوفت وزملاؤه عام 1979، تجربة حيث أعطوا أشخاصًا يعانون من ضغط دم طبيعي كميات مختلفة من الصوديوم، وصلت بأقصاها الى 87 جرامًا من الملح. ووجدوا أن "إفراز الصوديوم في البول يقترب من إجمالي تناول الصوديوم في كل مستوى".

تعليقات
إرسال تعليق